أعادت خطط إثيوبيا لبناء ثلاثة سدود جديدة لتوليد الطاقة الكهرومائية على النيل الأزرق فتح واحد من أكثر النزاعات الجيوسياسية استمرارًا في إفريقيا، وذلك بعد أقل من عام على افتتاح أديس أبابا رسميًا سد النهضة الإثيوبي الكبير في سبتمبر 2025. وتتصاعد المواجهة في وقت تتغير فيه خريطة النفوذ الإقليمي المحيطة بالنيل والقرن الإفريقي، بحسب جوزيفا فالينتي.


ويستند هذا التحليل إلى تقرير نشره موقع «ذا ميديا لاين» وأعدته جوزيفا فالينتي، ويسلط الضوء على تصاعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا بشأن مشروعات السدود الجديدة على النيل الأزرق، في ظل تداخل ملف المياه مع التنافس على البحر الأحمر والموانئ والشراكات العسكرية والنفوذ السياسي في القرن الإفريقي.


وبالنسبة إلى مصر، تظل القضية مرتبطة مباشرة بالأمن المائي القومي، بينما تربط إثيوبيا الملف بالسيادة وتوليد الكهرباء والتنمية الاقتصادية. وتأتي المواجهة الجديدة في بيئة إقليمية تختلف بدرجة كبيرة عن تلك التي اندلع فيها النزاع حول سد النهضة قبل أكثر من عقد.


وأصبح القرن الإفريقي ساحة تتقاطع فيها سياسات النيل مع التنافس على الوصول إلى البحر الأحمر والموانئ والشراكات العسكرية، إلى جانب تنامي حضور قوى شرق أوسطية. وعززت مصر علاقاتها مع عدد من جيران إثيوبيا، بينما وسعت تركيا وإسرائيل والسعودية والإمارات حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في الصومال وأرض الصومال والسودان وإريتريا وإثيوبيا.


ولا يعني ذلك بالضرورة أن القاهرة وأديس أبابا تتجهان نحو مواجهة عسكرية مباشرة، إذ يشير المسار الحالي إلى ضغوط دبلوماسية وتموضع استراتيجي واحتمال اندلاع منافسة عبر وكلاء، وفق تقييمات خبراء من مصر وإثيوبيا.


وأصبحت التصريحات المصرية الأخيرة أكثر حدة بصورة ملحوظة. وتؤكد القاهرة أن المشروعات الجديدة المقامة أعلى النهر لا ينبغي أن تُنفذ دون إخطار مسبق وتنسيق، بينما يرى المسؤولون الإثيوبيون أن لبلادهم الحق في استغلال الموارد المائية التي تنبع داخل أراضيها. وتعتمد مصر على النيل في الحصول على معظم مياهها العذبة، بينما يوفر النيل الأزرق نحو 85% من المياه التي تصل إليها.


ووصف الدكتور وليد قزيحة، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، المرحلة الحالية بأنها خطيرة، لكنها لا تزال إلى حد كبير محصورة في القنوات الدبلوماسية والقانونية.


وقال قزيحة لذا ميديا لاين، إن رد الفعل المصري يقتصر حتى الآن على إصدار التصريحات والتركيز على الانتهاكات القانونية التي قد ينطوي عليها التحرك الإثيوبي بموجب القانون الدولي، مؤكدًا أن الموقف المصري لا يحمل نبرة عسكرية مباشرة.


مصر تصعّد تحذيراتها وإثيوبيا تتمسك بحقها في مياه النيل


اشتدت التحذيرات المصرية خلال الصيف. ففي 13 يوليو، رفض وزير الخارجية بدر عبد العاطي تقارير عن أعمال إنشاءات إثيوبية أحادية إضافية على النيل الأزرق، وقال إن مصر تحتفظ «بحق الدفاع المشروع عن النفس وفقًا لقواعد القانون الدولي».


ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية في 16 أغسطس عن مسؤول حكومي مصري لم تسمه أن القاهرة «تمتلك عدة وسائل تحت تصرفها» لحماية مصالحها في مياه النيل، وأنها لن تسمح لأي دولة بالتحكم في تدفق النهر إلى دول المصب.


وتنظر أديس أبابا إلى النزاع من منظور سياسي وقانوني مختلف جذريًا.
وقال الدكتور جاشاو أيفرام إندايلاو، الباحث البارز المتخصص في السياسة المائية للنيل وتطوير الطاقة الكهرومائية في معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي، إن بلاده تعتبر تنمية النهر حقًا سياديًا وضرورة اقتصادية.


وأوضح لـ«ذا ميديا لاين» أن إثيوبيا ترى أن لها «حقًا سياديًا في استخدام مورد مياه النيل»، مضيفًا أن استغلال الموارد المائية لأغراض التنمية حق قانوني وسيادي لإثيوبيا، خصوصًا أن اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة، بينما تشكل ندرة المياه وانعدام أمن الغذاء وفقر الطاقة مشكلات رئيسية أمام البلاد.


ولا يقتصر الخلاف على التشغيل الفني للسدود، بل يمتد إلى الإطار القانوني والسياسي الذي ينبغي أن يحكم إدارة النهر.


ودخل اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل حيز التنفيذ في أكتوبر 2024، بعدما صدقت عليها ست دول هي بوروندي وإثيوبيا ورواندا وجنوب السودان وتنزانيا وأوغندا، إذ قدم جنوب السودان التصديق السادس اللازم لدخول الاتفاقية حيز التنفيذ.


وتحدد الاتفاقية مبادئ تشمل الاستخدام العادل والمعقول للمياه، وتجنب إحداث أضرار جسيمة، وتبادل البيانات، والإخطار بشأن التدابير والمشروعات المخطط لها، كما تنص على إنشاء مفوضية دائمة لحوض النيل. ولم تصدق مصر والسودان على الاتفاقية، ولا تلتزمان بأحكامها، وهو ما أبقى انقسامًا أساسيًا بين رؤى دول المنبع ودول المصب بشأن إدارة النهر.


ويرى جاشاو أن تمسك القاهرة بمفاهيم الحقوق التاريخية والقائمة في مياه النيل يمثل جوهر الخلاف، معتبرًا أن إثيوبيا لديها أيضًا مطالب تاريخية وإقليمية مرتبطة بالنيل.


وقال إن النيل بالنسبة إلى بلاده «قضية تنمية وقضية سيادة»، وليس ملفًا ينبغي التعامل معه حصريًا من منظور الأمن القومي.


صراع النيل يتجاوز النهر إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي


لم يعد الخلاف يتوقف عند ضفاف النيل.


وأصبحت علاقات مصر الأمنية المتنامية في القرن الإفريقي جزءًا من الطريقة التي تنظر بها أديس أبابا إلى استراتيجية القاهرة. ووقعت مصر اتفاقًا أمنيًا مع الصومال في 2024، ثم أرسلت مساعدات عسكرية إلى مقديشو خلال فترة تصاعد التوتر بين الصومال وإثيوبيا، على خلفية محاولة أديس أبابا الحصول على منفذ بحري عبر أرض الصومال.


وتوسطت تركيا في الخلاف طوال عام 2024، وصولًا إلى إعلان أنقرة في 11 ديسمبر. وأكدت إثيوبيا والصومال احترام كل منهما لسيادة الأخرى، واتفقتا على التفاوض بشأن وصول إثيوبيا تجاريًا إلى البحر تحت السيادة الصومالية.


وأعادت الدولتان العلاقات الدبلوماسية في يناير 2025، وبدأتا مفاوضات فنية في الشهر التالي، دون الإعلان عن اتفاق نهائي بشأن الوصول إلى البحر حتى الآن.


ووصف جاشاو هذه التطورات بأنها جزء من مسعى مصري لزيادة الضغوط على إثيوبيا، قائلًا إن «التطويق الدبلوماسي والعسكري» يمثل إحدى الاستراتيجيات التي تستخدمها مصر لعزل بلاده، مضيفًا أن القاهرة تحاول بناء تحالفات مع جيران إثيوبيا، بينما تنتهج أديس أبابا بدورها سياسة تنويع الشراكات.


وتعرض القاهرة شراكاتها الإقليمية باعتبارها تخدم الأمن الثنائي واستقرار البحر الأحمر والمصالح القومية المصرية. وتحظى جغرافيا هذه الشراكات بأهمية استراتيجية لإثيوبيا، إذ تحيط إريتريا والسودان والصومال وجيبوتي بجزء كبير من الطريق الذي تسعى أديس أبابا من خلاله إلى الوصول إلى البحر الأحمر وخليج عدن، في ظل كون إثيوبيا دولة حبيسة.


ووسعت مصر كذلك تعاونها العسكري مع إريتريا، وحصلت على عقود لتطوير موانئ جيبوتي والمشاركة لاحقًا في إدارتها، بحسب ما أوردته صحيفة «ذا ناشيونال» في 17 أغسطس.


ولا تقتصر إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر وإثيوبيا على هاتين الدولتين.


إسرائيل والخليج يعيدان تشكيل موازين القوى


اعترفت إسرائيل رسميًا بأرض الصومال في ديسمبر 2025، في خطوة عارضتها الصومال وتركيا بشدة. ووسعت أنقرة، التي تعد من أبرز الشركاء الأمنيين لمقديشو، حضورها عبر التعاون العسكري واتفاقيات الطاقة وخطط التنقيب البحري والاستعدادات لإنشاء ميناء فضائي في الصومال.


ووصف جاشاو إسرائيل وتركيا بأنهما أصبحتا من أبرز القوى المتنافسة على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن.


وقال إن إسرائيل «تسقط قوتها» من البحر المتوسط إلى المحيط الهندي، معتبرًا أن المنافسة الرئيسية في البحر الأحمر وخليج عدن تدور بين إسرائيل وتركيا. وربط الباحث الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، جزئيًا، برغبة إسرائيل في إقامة موطئ قدم يطل على خليج عدن.


كما ينجذب القرن الإفريقي إلى المنافسة المتنامية بين دول الخليج. وأفادت «رويترز» في 14 فبراير بأن التنافس السعودي الإماراتي، الذي تمحور في البداية حول اليمن، امتد عبر البحر الأحمر إلى الصومال والسودان وإثيوبيا وإريتريا وليبيا.


ووسعت الإمارات نفوذها في السودان والصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي عبر استثمارات بمليارات الدولارات وعلاقات دبلوماسية ودعم عسكري، بينما اقتربت السعودية بصورة متزايدة من مصر وتركيا وقطر.


ولا ترسم هذه العلاقات خريطة واضحة لكتل ثابتة، إذ تحتفظ إثيوبيا بعلاقات مع قوى متنافسة، من بينها الإمارات وتركيا، بينما تتعاون مصر مع دول قد تتنافس فيما بينها في ساحات أخرى. فقد تكون الدولة شريكًا في ساحة ومنافسًا في ساحة أخرى.


ووصف جاشاو السياسة الخارجية الإثيوبية بأنها «متعددة الاتجاهات»، تقوم على التعامل مع قوى إقليمية متنافسة مع تجنب الانضمام إلى تحالف رسمي يستهدف مصر.


وفي ظل هذا النظام المتشظي، تبدو المنافسة عبر وكلاء أكثر ترجيحًا من اندلاع حرب تقليدية مباشرة بين مصر وإثيوبيا.


وقال جاشاو إنه لا يعتقد أن حربًا تقليدية مفتوحة ستندلع بين البلدين لأسباب مختلفة، لكنه رجح احتمال نشوء «حرب بالوكالة أو منافسة عبر وكلاء».


وتوقع استمرار التنافس الجيوسياسي بين البلدين في أنحاء إفريقيا، مع تنافسهما على النفوذ في البحر الأحمر والنيل.


ورغم اختلاف رؤيتهما للاستراتيجية المصرية، توصل قزيحة إلى استنتاج مماثل بشأن الخطر المباشر في المرحلة الراهنة.


وقال إن القضية لا تتجاوز حتى الآن «تبادل التصريحات غير الودية»، ولم تنتقل إلى مستوى أكثر خطورة.


ورجح قزيحة أن تلجأ مصر في مرحلة لاحقة إلى طلب تدخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحد من الطموحات الإثيوبية.


وأشار إلى أن ترامب أرسل في الماضي إشارات مطمئنة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكنه لم يتخذ خطوات جادة للوساطة حتى الآن.


وسبق أن تدخلت الولايات المتحدة في النزاع. ففي الولاية الأولى لترامب، أجرت مصر وإثيوبيا والسودان مفاوضات في واشنطن، بمشاركة وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، بشأن ملء سد النهضة وتشغيله. وأسفرت المفاوضات عن مشروع اتفاق وقعت مصر بالأحرف الأولى عليه في 2020، لكن إثيوبيا لم توقعه.


ووصف قزيحة المواجهة الحالية بأنها «حرب كلامية» قد تستدعي تدخلًا أمريكيًا قبل أن تتحول إلى أزمة أكثر خطورة.


ويرى جاشاو أن تضارب المصالح المحيطة بالنهر يجعل الانتقال الحاسم نحو مواجهة مستمرة أو تعاون طويل الأمد أمرًا غير مرجح.


وقال إن الصراع لن يهيمن على التعاون، كما أن التعاون لن يهيمن على الصراع، بل ستتعايش «حالات الصراع والمنافسة والتعاون» داخل حوض النيل.

 

https://www.jpost.com/international/article-906102#google_vignette